قبل علم الكلام – ثلاثة خلفاء
أول انتقال للسلطة – السقيفة:
مات النبي (ص) دون أن يترك وصية واضحة باسم من يخلفه على إدارة شؤون الدولة الناشئة. فاجتمع عدد من الأنصار ولحق بهم عدد من المهاجرين في سقيفة بني ساعدة، وقد نتج عن ذلك الاجتماع مبايعة أبي بكر الصديق خليفة لرسول الله (ص).
يمكن إجمال حادثة السقيفة كما ترويها المراجع على الشكل التالي: إثر وفاة الرسول (ص)، خشي الأنصار (=أهل المدينة المنورة) أن يستأثر المهاجرون (=المسلمون من قريش) بالأمر وألا يعرف لهم المهاجرون صنيعهم في مساندة الرسول (ص) وحماية الدعوة في مناسبات عديدة. ولا بد أن مما شجعهم على ذلك، اعتراف الرسول (ص) الدائم بفضلهم وعلو شأنهم. تنادى الأنصار للاجتماع في مكان صار شهيراً جداً في ما بعد هو سقيفة بني ساعدة. وفيما عمد علي بن أبي طالب (ك) والزبير بن العوام (ر) وعدد من الصحابة إلى البقاء في بيت فاطمة بنت رسول الله (ص)، أسرع أبو بكر وعمر بن الخطاب (ر) إلى السقيفة إذ علما بالاجتماع. في الطريق، التقيا برجلين ممن شهدوا غزوة بدر، فسأل أحدهما عن وجهة أبي بكر وعمر (ر)، فأجاباه أنهما يقصدان الأنصار، فقال الرجلان: “فارجعوا فاقضوا أمركم بينكم” ولكن عمراً وأبا بكر (ر) أصرا على الاجتماع بالأنصار ليكون قضاء الأمر بحضور من يمكن لهم أن يمثلوا المسلمين جميعاً.
عند وصولهما، كان الأنصار وعلى رأسهم سعد بن عبادة يتداولون في انتخاب أمير منهم، فكاد عمر (ر) أن يتدخل بتأنيبهم، إلا أن أبا بكر (ر) هدأ من روعه وسبقه إلى الكلام، واقترح أحد الموجودين من الأنصار بأن يكون للقوم أميران، واحد من المهاجرين وآخر من الأنصار. إلا أن أبا بكر (ر) وبقية المهاجرين ما كانوا ليقبلوا بهذا الحل الذي يمكن له أن يعيد تاريخ النزاعات القبلية، فعاد أبو بكر (ر) لمخاطبة الأنصار بهدوء، وأعاد عليهم الكثير مما جاء من مدح الأنصار في القرآن والحديث، ثم قال: “أما بعد يا معشر الأنصار، فإنكم لا تذكرون منكم فضلاً إلا وأنتم له أهل، وإن العرب لا تعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، وهم أوسط العرب داراً ونسباً، ولكن قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين [وأخذ بيدي عمر وأبي عبيدة بن الجراح (ر)] فبايعوا أياً شئتم منهما”، وبعد قوله، كثر اللغط، فأشفق عمر (ر) الخلاف، فقال لأبي بكر: “ابسط يدك أبايعك” فمد أبو بكر يده فبايعه عمر، وبايعه القوم بعده.
(للتفاصيل، راجع: إسماعيل بن كثير، البداية والنهاية، مج3، ج5، دار مكتبة الإيمان، القاهرة، د.ت. ص ص 266-272. راجع أيضاً: ابن جرير الطبري، تاريخ الأمم والملوك، بيت الأفكار الدولية، ص ص 485-489. والحادثة مذكورة في مراجع أخرى عديدة، وقد كتب المرحوم هادي العلوي مقالة هامة عن السقيفة موجودة في كتابه الصادر عن دار الأهالي ثم دار المدى واسمه من قاموس التراث).
إذن، ابتدأ عهد جديد في مسيرة دولة الإسلام، حيث إن الوحي الإلهي قد انقطع إلى الأبد، ولم يعد المُشرِّع الأول -الرسول (ص)- موجوداً، وصار على أصحاب الدولة إدارتها بتدبيرهم ورأيهم، مع الاستناد –بالطبع- إلى الإرث الذي بين يديهم، متمثلاً في القرآن والحديث والسنة النبوية.
رغم الاعتراضات على ما جرى في السقيفة من قِبَل الكثير من الصحابة (والتي كان أبرزها امتناع علي بن أبي طالب (ك، وسنستخدم الحرف للدلالة على “كرم الله وجهه” طلباً للاختصار) عن المبايعة فترة قاربت الأشهر الستة)، يمكن وصف ما جرى في السقيفة، وبكل ثقة، بأنه مثال صريح على الانتقال السلمي للسلطة. لا يمكننا –أيضاً- إغفال ملامح الديمقراطية الواضحة في طريقة الوصول إلى القرار، حيث إن الحوار والإقناع استُخدِما بشكل فعال، وإن كان موقف عمر بن الخطاب (ر) أميل إلى القسوة، ولكننا نرى في ذلك تجسيداً لتكوين شخصية عمر (ر) ومبدئيته وصرامته في مواقفه وآرائه، ولا نستقرئ فيه نزوعاً إلى الاستبداد، أو إلى استغلال المكانة والمنصب.
محطات في خلافة أبي بكر (ر):
اختار الخليفة الأول، أبو بكر الصديق، مسجد الرسول (ص) مقراً لحكمه، مستكملاً بذلك اختلاف صيغة الحكم الإسلامية الأولى عن سابقاتها، وتأكيداً على أن الدولة الوليدة ليست دولة “كسرى أو قيصر”، التي تحول الحاكم فيها إلى ملِكٍ يحكم بالهوى عوضاً عن الرأي، ويهدف إلى الاستئثار بالامتيازات المَلَكية عوضاً عن إدارة شؤون البلاد والعِباد بما تقتضيه مصلحتهم. لقد أعلن ذلك خيار دولة الإسلام في عهد الخلفاء الراشدين بأن تتخذ منهجاً وسطاً، بين نظام المُلك الاستبدادي الذي حُكِمتْ به الإمبراطوريات الكبرى كبيزنطة ورما وفارس، وبين النظام اللُّقاحي المُستَمد من البداوة، وهو النظام الذي لا يقبل الاستبداد بأي شكل من الأشكال. (خير مثال للنظام اللقاحي هو نظام حكم مكة في الجاهلية، حيث كان يحكمها مجلس مكون من عشرة رجال يتولى كل منهم اختصاصاً معيناً).
دلالات اختيار المسجد كثيرة، ولا نعتقد أن أهمها هو منح الخليفة صفة دينية إلى جانب صفته السياسية. بل لا نظن أن من المغالاة القول إن الممارسة العملية قد نفت الصفة الدينية عن الخليفة، لا سيما إذا استذكرنا إصرار النبي (ص) الدائم على أنه من بني البشر، وأنه رسول فقط. وقبل أن نقرأ دلالات اختيار المسجد مقراً للحكم، لا بد من الإشارة إلى دلالة “علمانية” صارخة، هي أن الرسول (ص) وخلفاءه من بعده أبقوا المدينة المنورة كحاضرةٍ سياسية لدولة الإسلام، رغم أن فتحَ مكة –وهي الحاضرة الدينية- كان قد تم، ورغم أن عموم أهلها صاروا من المسلمين. إننا نرى في ذلك إشارة واضحة إلى أن الإسلام فَصَل الدين عن الدولة منذ التأسيس، وجعل لمكة مكانةً خاصة وأحاطها بالقداسة حيث هي قِبلة المصلين، وموضع الحج إلى بيت الله، على أنه أخرجها من دائرة القرار السياسي.
(لا بد من التنبُّه في هذا السياق إلى أن الصبغة المقدسة للمدينة المنورة أُعطِيت لها لاحقاً، في العهد الأموي، وقد كان ذلك –في رأينا- مقصوداً، لتحجيم دور الصحابة الذين دافعوا عن المساواة والعدالة الاجتماعية وغيرهما من الأسس التي قامت عليها الدعوة الإسلامية).
نعود إلى مسألة اختيار المسجد مقراً للخلافة والحكم ودلالاتها. نستطيع استقراء الدلالات المنشودة من صفات المسجد في العصور الإسلامية الأولى:
- لا يمكن لأحد أن يحجب الناس عن دخول المسجد، وإقامة الخليفة فيه تجعل لقاءه والتحدث إليه من الأمور المتاحة للناس جميعاً. عليه، لم يكن عرض المظلَمة والرأي والمشورة على رأس السلطة في الدولة أمراً صعباً.
- إن المسجد هو المكان الذي يتساوى فيه الناس جميعاً، غنيهم وفقيرهم، حُرِّهم وعبدهم، أبيضهم وأسودهم، ذكرهم وأنثاهم. وفي ذلك المسجد، كان الخليفة والرعية بمختلف فئاتها متساوين في الحقوق والواجبات، كانوا جميعاً “مواطنين” متساوين أمام “القانون”.
- والمسجد مكان التقوى، والتقوى لا تعني الإيمان فقط –كما أسلفنا-، بل تعني أيضاً اتقاء غضب الله، وتلك الكلمة من هذا المنطلق تعني تطبيق القانون في سبيل الخير والفضيلة للناس. إذن، هو مكان ينتفي فيه الفجور، وينتفي فيه الاستئثار بالمصلحة، والأهم من ذلك كله أنه مكان ينتفي فيه الظلم.
تولى أبو بكر (ر) الخلافة مدة عامين، كان أبرز ما فيهما حروب الردة. ولم تكن حروب الردة بدورها قراراً دينياً، حيث إن حد الردة استُنَّ بعد وفاة الرسول (ص)، ذلك أن الأمر لم يناقَش في حياته، وقد أُضِيف هذا الحد إلى أصول الفقه الإسلامي باستيحاء من حروب الردة التي قرر أبو بكر (ر) أن يخوضها لأهداف لا نشك أنها سياسية، وقد كان القرار بخوض تلك الحروب على أية حال اجتهاداً شخصياً من الخليفة الأول في أمر ليس فيه نص. (لعل هذا ما دفع عدداً من العلماء والباحثين إلى رفض هذا الحد وعلى رأسهم جمال البنا). كانت حرب الردة –من الناحية التاريخية- أشبه بحرب استقرار للدولة، حيث خشي أبو بكر (ر) وبعض أعلام الصحابة أن تتصدّع الدولة وهي ما تزال في طور التأسيس بترك الكثيرين للإسلام بعد وفاة النبي (ص). وهي في رأينا مما يمكن قراءته على أنه علمانية في الحكم، حيث انفصل فيها القرار السياسي عن التشريع الديني الذي تمثل في نص قرآني واضح: {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم} (سورة البقرة، الآية 256).
عمر بن الخطاب (ر) مؤسِّساً:
ينطبق هذا الانفصال بين القرار السياسي والتشريع الديني على جملة من قرارات عمر بن الخطاب (ر) أيضاً. لعل أشهر تلك القرارات هي منعه سهماً من أسهم الزكاة المنصوص عليها في القرآن وهو سهم المؤلفة قلوبهم (=الذين كان يُشك في رسوخ عقيدتهم وإيمانهم، وقد كانت لهم حصة من الزكاة كي تتألف قلوبهم، أي تميل، إلى الإسلام). لقد كان ذلك قراراً سياسياً جديداً، نتج عن أن عمر (ر) لم يعد يرى ضرورة للمؤلفة قلوبهم، حيث إن دولة الإسلام استقرت وامتدت، وباتت منيعة في وجه أعدائها. عليه، لم يعد الإسلام بحاجة إلى تأليف القلوب، وبات من اليسير الاستغناء عن الذين لا تترسخ عقيدتهم إلا ببذل المال. وهنا يخالف عمر (ر)، بدوره، نصاً قرآنياً واضحاً.
من جديد، يثبت الرسول (ص) وأصحاب دعوته ودولته ضرورة التعامل مع الظروف الموضوعية بالحنكة السياسية، وما تقتضيه الظروف. ولم نورد هنا إلا مثالين، على أن الأمثلة تكثر في سيرة الصحابة.
استطراد لا بد منه: أرادت الدولة الأموية وبعدها العباسية استجلاب الشرعية لشكل الحكم الذي تبنته، والذي كان مرفوضاً بالنسبة للذين اعتادوا على لقاح الجاهلية، ثم على رِفق ونزاهة الخلفاء الراشدين. لذلك، ضغطت سلطة الدولتين على الفقهاء لينظروا إلى هذه الأمثلة كمعضِلة منطقية وتشريعية صعبة، وكان المخرَج الوحيد أمام الفقهاء القول بأن “الحديث ينسخ الآية”، أي أن السنة النبوية (وضُمِّنت بعدها سيرة الصحابة كمرجِع للإفتاء والتشريع) في حال اختلافها مع النص القرآني، هي المرجع الأوثق. إن تلك القاعدة الفقهية تتعارض مع البديهة في حقيقة الأمر، كما تتعارض في الجوهر مع قاعدة فقهية أخرى: “حلال محمد حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة”. إن تلك الحلول التي بحث فيها الفقهاء هي مما جعل لغة الفقه ملتبِسة غالباً، وفيها مساحة واسعة لاستنتاجات متناقضة.
كانت سنوات خلافة عمر بن الخطاب (ر) العشر هي سنوات تأسيس الدولة بالمعنيين السياسي والجغرافي. ونحن نظن أن عمر (ر) انتقل في سياسة حكمه من طرف إلى طرف عبر سنوات حكمه. حيث مال في سنواته الأخيرة إلى ممثلي جناح المستضعفين والفقراء والزاهدين في الدولة، ويتضح ذلك من خلال العديد من القرارات التي اتخذها، نورد منها على سبيل المثال لا الحصر، عزل خالد بن الوليد وتسمية أبي عبيدة بن الجراح (ر)، وتسمية كل من سلمان الفارسي وأبي ذر الغفاري (ر) والياً، كما أنه قرب علي بن أبي طالب (ك) منه واستشاره كثيراً. ذلك –على أية حال- بحث آخر، يحتاج إلى ما هو أكثر من هذه الإشارة المستعجلة.
الخليفة الثالث عثمان بن عفان (ر) قتيلاً:
رشح عمر (ر) وهو على فراش الموت ستة أشخاص وأوصى بأن يُختار أمير المؤمنين منهم، وكان بينهم علي بن أبي طالب (ك) وعثمان بن عفان (ر)، ووقع الخيار –كما هو معروف- على عثمان. وقد كان للخليفة الثالث شخصية مختلفة، حيث غابت عنه الصرامة المترافقة مع الحِلم كما كان أبو بكر وعمر (ر)، مما دفع به إلى ترك العديد من المسائل السياسية الهامة، وإظهار اهتمام كبير بمسائل دينية عديدة. يبدو أن الرعية، ولا سيَّما “النخبة” من الصحابة، لم تكن راضية عن سلوك عثمان (ر)، مما أدى إلى اهتياج واعتراض واسعي النطاق، داخل المدينة المنورة وخارجها، فجاء عدد كبير من الرجال من مصر والكوفة والبصرة، وعرضوا على عثمان (ر) عدة خيارات كلها تتضمن التخلي عن الخلافة، إلا أن عثمان (ر) رفض ذلك، مما أدى إلى اشتعال ثورة أدت في نهاية المطاف إلى قتل عثمان (ر)، وسُمِّي ذلك الحدث لاحقاً بالفتنة الكبرى.
تبنى المؤرخون ذلك الاسم للحدث لأنهم رأوا فيه بدايات الانشقاق في دولة الإسلام، ولا بد من أن نقر بصحة ذلك بالنظر إلى ما تلا مقتل عثمان (ر) من أحداث قادت إلى لاحقاً إلى انتقال الخلافة إلى معاوية بن أبي سفيان ونشوء الدولة الأموية. على أن الحدث يتضمن –أيضاً- المزيد من الدلالات على فصل الدين عن الدولة. لقد انتفت الصفة الدينية تماماً عن الخليفة بعد الاعتراض العارم على استفراد عثمان (ر) بالقرارات، وانحيازه إلى أغنياء الرعية وإلى أفراد أسرة بني أمية التي انتمى إليها، وكان موقف الرعية (أو الشعب) انتزاعاً لحق في التعبير الديمقراطي عن الاحتجاج على الحاكم، رغم أنه -ذلك الحاكم- من أوائل الذين اعتنقوا الإسلام، ورغم أنه من أولي الأمر.
لقد تحكَّم الظرف الموضوعي في المسار التاريخي للدولة الإسلامية مرةً أخرى.
– نتابع في القسم الثالث –