عن حرية الاختيار وارتباطها بالعلمانية ما بين السيرة النبوية وعلم الكلام والفلسفة – القسم الثاني

قبل علم الكلام – ثلاثة خلفاء

أول انتقال للسلطة – السقيفة:

مات النبي (ص) دون أن يترك وصية واضحة باسم من يخلفه على إدارة شؤون الدولة الناشئة. فاجتمع عدد من الأنصار ولحق بهم عدد من المهاجرين في سقيفة بني ساعدة، وقد نتج عن ذلك الاجتماع مبايعة أبي بكر الصديق خليفة لرسول الله (ص).

يمكن إجمال حادثة السقيفة كما ترويها المراجع على الشكل التالي: إثر وفاة الرسول (ص)، خشي الأنصار (=أهل المدينة المنورة) أن يستأثر المهاجرون (=المسلمون من قريش) بالأمر وألا يعرف لهم المهاجرون صنيعهم في مساندة الرسول (ص) وحماية الدعوة في مناسبات عديدة. ولا بد أن مما شجعهم على ذلك، اعتراف الرسول (ص) الدائم بفضلهم وعلو شأنهم. تنادى الأنصار للاجتماع في مكان صار شهيراً جداً في ما بعد هو سقيفة بني ساعدة. وفيما عمد علي بن أبي طالب (ك) والزبير بن العوام (ر) وعدد من الصحابة إلى البقاء في بيت فاطمة بنت رسول الله (ص)، أسرع أبو بكر وعمر بن الخطاب (ر) إلى السقيفة إذ علما بالاجتماع. في الطريق، التقيا برجلين ممن شهدوا غزوة بدر، فسأل أحدهما عن وجهة أبي بكر وعمر (ر)، فأجاباه أنهما يقصدان الأنصار، فقال الرجلان: “فارجعوا فاقضوا أمركم بينكم” ولكن عمراً وأبا بكر (ر) أصرا على الاجتماع بالأنصار ليكون قضاء الأمر بحضور من يمكن لهم أن يمثلوا المسلمين جميعاً.

عند وصولهما، كان الأنصار وعلى رأسهم سعد بن عبادة يتداولون في انتخاب أمير منهم، فكاد عمر (ر) أن يتدخل بتأنيبهم، إلا أن أبا بكر (ر) هدأ من روعه وسبقه إلى الكلام، واقترح أحد الموجودين من الأنصار بأن يكون للقوم أميران، واحد من المهاجرين وآخر من الأنصار. إلا أن أبا بكر (ر) وبقية المهاجرين ما كانوا ليقبلوا بهذا الحل الذي يمكن له أن يعيد تاريخ النزاعات القبلية، فعاد أبو بكر (ر) لمخاطبة الأنصار بهدوء، وأعاد عليهم الكثير مما جاء من مدح الأنصار في القرآن والحديث، ثم قال: “أما بعد يا معشر الأنصار، فإنكم لا تذكرون منكم فضلاً إلا وأنتم له أهل، وإن العرب لا تعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، وهم أوسط العرب داراً ونسباً، ولكن قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين [وأخذ بيدي عمر وأبي عبيدة بن الجراح (ر)] فبايعوا أياً شئتم منهما”، وبعد قوله، كثر اللغط، فأشفق عمر (ر) الخلاف، فقال لأبي بكر: “ابسط يدك أبايعك” فمد أبو بكر يده فبايعه عمر، وبايعه القوم بعده.

(للتفاصيل، راجع: إسماعيل بن كثير، البداية والنهاية، مج3، ج5، دار مكتبة الإيمان، القاهرة، د.ت. ص ص 266-272. راجع أيضاً: ابن جرير الطبري، تاريخ الأمم والملوك، بيت الأفكار الدولية، ص ص 485-489. والحادثة مذكورة في مراجع أخرى عديدة، وقد كتب المرحوم هادي العلوي مقالة هامة عن السقيفة موجودة في كتابه الصادر عن دار الأهالي ثم دار المدى واسمه من قاموس التراث).

إذن، ابتدأ عهد جديد في مسيرة دولة الإسلام، حيث إن الوحي الإلهي قد انقطع إلى الأبد، ولم يعد المُشرِّع الأول -الرسول (ص)- موجوداً، وصار على أصحاب الدولة إدارتها بتدبيرهم ورأيهم، مع الاستناد –بالطبع- إلى الإرث الذي بين يديهم، متمثلاً في القرآن والحديث والسنة النبوية.

رغم الاعتراضات على ما جرى في السقيفة من قِبَل الكثير من الصحابة (والتي كان أبرزها امتناع علي بن أبي طالب (ك، وسنستخدم الحرف للدلالة على “كرم الله وجهه” طلباً للاختصار) عن المبايعة فترة قاربت الأشهر الستة)، يمكن وصف ما جرى في السقيفة، وبكل ثقة، بأنه مثال صريح على الانتقال السلمي للسلطة. لا يمكننا –أيضاً- إغفال ملامح الديمقراطية الواضحة في طريقة الوصول إلى القرار، حيث إن الحوار والإقناع استُخدِما بشكل فعال، وإن كان موقف عمر بن الخطاب (ر) أميل إلى القسوة، ولكننا نرى في ذلك تجسيداً لتكوين شخصية عمر (ر) ومبدئيته وصرامته في مواقفه وآرائه، ولا نستقرئ فيه نزوعاً إلى الاستبداد، أو إلى استغلال المكانة والمنصب.

محطات في خلافة أبي بكر (ر):

اختار الخليفة الأول، أبو بكر الصديق، مسجد الرسول (ص) مقراً لحكمه، مستكملاً بذلك اختلاف صيغة الحكم الإسلامية الأولى عن سابقاتها، وتأكيداً على أن الدولة الوليدة ليست دولة “كسرى أو قيصر”، التي تحول الحاكم فيها إلى ملِكٍ يحكم بالهوى عوضاً عن الرأي، ويهدف إلى الاستئثار بالامتيازات المَلَكية عوضاً عن إدارة شؤون البلاد والعِباد بما تقتضيه مصلحتهم. لقد أعلن ذلك خيار دولة الإسلام في عهد الخلفاء الراشدين بأن تتخذ منهجاً وسطاً، بين نظام المُلك الاستبدادي الذي حُكِمتْ به الإمبراطوريات الكبرى كبيزنطة ورما وفارس، وبين النظام اللُّقاحي المُستَمد من البداوة، وهو النظام الذي لا يقبل الاستبداد بأي شكل من الأشكال. (خير مثال للنظام اللقاحي هو نظام حكم مكة في الجاهلية، حيث كان يحكمها مجلس مكون من عشرة رجال يتولى كل منهم اختصاصاً معيناً).

دلالات اختيار المسجد كثيرة، ولا نعتقد أن أهمها هو منح الخليفة صفة دينية إلى جانب صفته السياسية. بل لا نظن أن من المغالاة القول إن الممارسة العملية قد نفت الصفة الدينية عن الخليفة، لا سيما إذا استذكرنا إصرار النبي (ص) الدائم على أنه من بني البشر، وأنه رسول فقط. وقبل أن نقرأ دلالات اختيار المسجد مقراً للحكم، لا بد من الإشارة إلى دلالة “علمانية” صارخة، هي أن الرسول (ص) وخلفاءه من بعده أبقوا المدينة المنورة كحاضرةٍ سياسية لدولة الإسلام، رغم أن فتحَ مكة –وهي الحاضرة الدينية- كان قد تم، ورغم أن عموم أهلها صاروا من المسلمين. إننا نرى في ذلك إشارة واضحة إلى أن الإسلام فَصَل الدين عن الدولة منذ التأسيس، وجعل لمكة مكانةً خاصة وأحاطها بالقداسة حيث هي قِبلة المصلين، وموضع الحج إلى بيت الله، على أنه أخرجها من دائرة القرار السياسي.

(لا بد من التنبُّه في هذا السياق إلى أن الصبغة المقدسة للمدينة المنورة أُعطِيت لها لاحقاً، في العهد الأموي، وقد كان ذلك –في رأينا- مقصوداً، لتحجيم دور الصحابة الذين دافعوا عن المساواة والعدالة الاجتماعية وغيرهما من الأسس التي قامت عليها الدعوة الإسلامية).

نعود إلى مسألة اختيار المسجد مقراً للخلافة والحكم ودلالاتها. نستطيع استقراء الدلالات المنشودة من صفات المسجد في العصور الإسلامية الأولى:

- لا يمكن لأحد أن يحجب الناس عن دخول المسجد، وإقامة الخليفة فيه تجعل لقاءه والتحدث إليه من الأمور المتاحة للناس جميعاً. عليه، لم يكن عرض المظلَمة والرأي والمشورة على رأس السلطة في الدولة أمراً صعباً.

- إن المسجد هو المكان الذي يتساوى فيه الناس جميعاً، غنيهم وفقيرهم، حُرِّهم وعبدهم، أبيضهم وأسودهم، ذكرهم وأنثاهم. وفي ذلك المسجد، كان الخليفة والرعية بمختلف فئاتها متساوين في الحقوق والواجبات، كانوا جميعاً “مواطنين” متساوين أمام “القانون”.

- والمسجد مكان التقوى، والتقوى لا تعني الإيمان فقط –كما أسلفنا-، بل تعني أيضاً اتقاء غضب الله، وتلك الكلمة من هذا المنطلق تعني تطبيق القانون في سبيل الخير والفضيلة للناس. إذن، هو مكان ينتفي فيه الفجور، وينتفي فيه الاستئثار بالمصلحة، والأهم من ذلك كله أنه مكان ينتفي فيه الظلم.

تولى أبو بكر (ر) الخلافة مدة عامين، كان أبرز ما فيهما حروب الردة. ولم تكن حروب الردة بدورها قراراً دينياً، حيث إن حد الردة استُنَّ بعد وفاة الرسول (ص)، ذلك أن الأمر لم يناقَش في حياته، وقد أُضِيف هذا الحد إلى أصول الفقه الإسلامي باستيحاء من حروب الردة التي قرر أبو بكر (ر) أن يخوضها لأهداف لا نشك أنها سياسية، وقد كان القرار بخوض تلك الحروب على أية حال اجتهاداً شخصياً من الخليفة الأول في أمر ليس فيه نص. (لعل هذا ما دفع عدداً من العلماء والباحثين إلى رفض هذا الحد وعلى رأسهم جمال البنا). كانت حرب الردة –من الناحية التاريخية- أشبه بحرب استقرار للدولة، حيث خشي أبو بكر (ر) وبعض أعلام الصحابة أن تتصدّع الدولة وهي ما تزال في طور التأسيس بترك الكثيرين للإسلام بعد وفاة النبي (ص). وهي في رأينا مما يمكن قراءته على أنه علمانية في الحكم، حيث انفصل فيها القرار السياسي عن التشريع الديني الذي تمثل في نص قرآني واضح: {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم} (سورة البقرة، الآية 256).

عمر بن الخطاب (ر) مؤسِّساً:

ينطبق هذا الانفصال بين القرار السياسي والتشريع الديني على جملة من قرارات عمر بن الخطاب (ر) أيضاً. لعل أشهر تلك القرارات هي منعه سهماً من أسهم الزكاة المنصوص عليها في القرآن وهو سهم المؤلفة قلوبهم (=الذين كان يُشك في رسوخ عقيدتهم وإيمانهم، وقد كانت لهم حصة من الزكاة كي تتألف قلوبهم، أي تميل، إلى الإسلام). لقد كان ذلك قراراً سياسياً جديداً، نتج عن أن عمر (ر) لم يعد يرى ضرورة للمؤلفة قلوبهم، حيث إن دولة الإسلام استقرت وامتدت، وباتت منيعة في وجه أعدائها. عليه، لم يعد الإسلام بحاجة إلى تأليف القلوب، وبات من اليسير الاستغناء عن الذين لا تترسخ عقيدتهم إلا ببذل المال. وهنا يخالف عمر (ر)، بدوره، نصاً قرآنياً واضحاً.

من جديد، يثبت الرسول (ص) وأصحاب دعوته ودولته ضرورة التعامل مع الظروف الموضوعية بالحنكة السياسية، وما تقتضيه الظروف. ولم نورد هنا إلا مثالين، على أن الأمثلة تكثر في سيرة الصحابة.

استطراد لا بد منه: أرادت الدولة الأموية وبعدها العباسية استجلاب الشرعية لشكل الحكم الذي تبنته، والذي كان مرفوضاً بالنسبة للذين اعتادوا على لقاح الجاهلية، ثم على رِفق ونزاهة الخلفاء الراشدين. لذلك، ضغطت سلطة الدولتين على الفقهاء لينظروا إلى هذه الأمثلة كمعضِلة منطقية وتشريعية صعبة، وكان المخرَج الوحيد أمام الفقهاء القول بأن “الحديث ينسخ الآية”، أي أن السنة النبوية (وضُمِّنت بعدها سيرة الصحابة كمرجِع للإفتاء والتشريع) في حال اختلافها مع النص القرآني، هي المرجع الأوثق. إن تلك القاعدة الفقهية تتعارض مع البديهة في حقيقة الأمر، كما تتعارض في الجوهر مع قاعدة فقهية أخرى: “حلال محمد حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة”. إن تلك الحلول التي بحث فيها الفقهاء هي مما جعل لغة الفقه ملتبِسة غالباً، وفيها مساحة واسعة لاستنتاجات متناقضة.

كانت سنوات خلافة عمر بن الخطاب (ر) العشر هي سنوات تأسيس الدولة بالمعنيين السياسي والجغرافي. ونحن نظن أن عمر (ر) انتقل في سياسة حكمه من طرف إلى طرف عبر سنوات حكمه. حيث مال في سنواته الأخيرة إلى ممثلي جناح المستضعفين والفقراء والزاهدين في الدولة، ويتضح ذلك من خلال العديد من القرارات التي اتخذها، نورد منها على سبيل المثال لا الحصر، عزل خالد بن الوليد وتسمية أبي عبيدة بن الجراح (ر)، وتسمية كل من سلمان الفارسي وأبي ذر الغفاري (ر) والياً، كما أنه قرب علي بن أبي طالب (ك) منه واستشاره كثيراً. ذلك –على أية حال- بحث آخر، يحتاج إلى ما هو أكثر من هذه الإشارة المستعجلة.

الخليفة الثالث عثمان بن عفان (ر) قتيلاً:

رشح عمر (ر) وهو على فراش الموت ستة أشخاص وأوصى بأن يُختار أمير المؤمنين منهم، وكان بينهم علي بن أبي طالب (ك) وعثمان بن عفان (ر)، ووقع الخيار –كما هو معروف- على عثمان. وقد كان للخليفة الثالث شخصية مختلفة، حيث غابت عنه الصرامة المترافقة مع الحِلم كما كان أبو بكر وعمر (ر)، مما دفع به إلى ترك العديد من المسائل السياسية الهامة، وإظهار اهتمام كبير بمسائل دينية عديدة. يبدو أن الرعية، ولا سيَّما “النخبة” من الصحابة، لم تكن راضية عن سلوك عثمان (ر)، مما أدى إلى اهتياج واعتراض واسعي النطاق، داخل المدينة المنورة وخارجها، فجاء عدد كبير من الرجال من مصر والكوفة والبصرة، وعرضوا على عثمان (ر) عدة خيارات كلها تتضمن التخلي عن الخلافة، إلا أن عثمان (ر) رفض ذلك، مما أدى إلى اشتعال ثورة أدت في نهاية المطاف إلى قتل عثمان (ر)، وسُمِّي ذلك الحدث لاحقاً بالفتنة الكبرى.

تبنى المؤرخون ذلك الاسم للحدث لأنهم رأوا فيه بدايات الانشقاق في دولة الإسلام، ولا بد من أن نقر بصحة ذلك بالنظر إلى ما تلا مقتل عثمان (ر) من أحداث قادت إلى لاحقاً إلى انتقال الخلافة إلى معاوية بن أبي سفيان ونشوء الدولة الأموية. على أن الحدث يتضمن –أيضاً- المزيد من الدلالات على فصل الدين عن الدولة. لقد انتفت الصفة الدينية تماماً عن الخليفة بعد الاعتراض العارم على استفراد عثمان (ر) بالقرارات، وانحيازه إلى أغنياء الرعية وإلى أفراد أسرة بني أمية التي انتمى إليها، وكان موقف الرعية (أو الشعب) انتزاعاً لحق في التعبير الديمقراطي عن الاحتجاج على الحاكم، رغم أنه -ذلك الحاكم- من أوائل الذين اعتنقوا الإسلام، ورغم أنه من أولي الأمر.

لقد تحكَّم الظرف الموضوعي في المسار التاريخي للدولة الإسلامية مرةً أخرى.

– نتابع في القسم الثالث –


عن حرية الاختيار، وارتباطها بالعلمانية ما بين السيرة النبوية وعلم الكلام والفلسفة

أعاد والدي، الدكتور خضر زكريا، نشر مقال له عن الديمقراطية كان قد كتبه في أواخر عام 2003 منذ أيام، وقد نشره كـ (نوت) على الفيس بوك. من ناحية أخرى، قرأتُ نقاشات على الفيس بوك حول الاختلافات بين الدولة الإسلامية والدولة العلمانية وحدود حرية الاختيار وما شابه على عدد من الصفحات لعدد من الأصدقاء. بناءاً على ذلك كله، وددتُ أن أفتح هذا الموضوع للنقاش. ورغم أني -شخصياً- أفضِّل النقاش الهادئ، الذي يعتمد الحُجَّة والبيِّنة -كما كان قدماء العرب يقولون-، إلا أني لا أتوقع أن يكون هذا النقاش هادئاً بالضرورة، وفي الوقت ذاته، لستُ أرى ضيراً في أن يكون النقاش حاداً، ولا في أن يستعر الخلاف، فأهلاً بالخلاف في المسائل الخلافية، ومرحباً بالحِدة عند الحاجة.

ملاحظة: مع ابتدائي العمل على هذه المقالة، اكتشفتُ أن حجمها سيكون كبيراً، مما قد يُثقِل على القارئ، فقررتُ أن أقسمها إلى أجزاء أنشرها تباعاً.

تمهيد:

دأب القابعون في رأس الهرم على تطوير العبودية عبر تاريخ البشرية، ودأب القابعون في وسطه على الاستعانة بالقابعين في أسفله لكسر هذه العبودية، ولطالما اصطدم كل من حاول كسرها نهائياً بالمئات من العوائق، فانقلب المشروع دائماً إلى محاولة تغيير هذه العبودية لتصبح أقل قسوة.

إن الإسلام في شقه التشريعي (=التشريع الاجتماعي-الاقتصادي-السياسي) بعيداً عن شقه “اللاهوتي” الصرف، هو في رأينا واحدة من تلك المحاولات. وقد اخترت الزاوية الإسلامية لمناقشة الموضوع، لأنني على قناعة –هي قناعة يخالفني الكثيرون فيها- أن الإسلام هو عمود مجتمعاتنا. ليس مكوِّنها الوحيد، ولكنه مكونها الرئيسي.

ونحن نتناول الإسلام هنا، من جهة تاريخية بالدرجة الأولى. أقصد أن الحديث يدور عن الإسلام بارتباطه بالأحداث التاريخية، وبما أنتجه من فرق ومقولات وأفكار. لن ندَّعي معرفة “الإسلام الصحيح”، أو “الإسلام الأصلي” الذي يقول الكثيرون إنه الحل، لأننا لا نعرف، ولن نعرف المعنى الحقيقي لذلك الاصطلاح وتنويعاته. حيث إن الإسلام -في شقه الاجتماعي- ابتدأ ثورةً على السائد وتحول عبر تاريخه الطويل إلى حركة سياسية-اجتماعية احتوت دائماً السلطة والمعارضة كما احتوت المثقفين المستقلين الذين اختاروا الابتعاد عن السياسة، واختاروا الشِّعر أو الأدب أو الفلسفة أو الموسيقى. ولنلاحظ أننا نسمي تلك الفروع بالفروع الإسلامية، فنحن نقول الشعر الإسلامي، والأدب الإسلامي، والفلسفة الإسلامية، والموسيقى الإسلامية، والعمارة الإسلامية. ينطلق ذلك من أن كلمة “إسلام” استخدمت للدين، كما استخدمت للدولة، وكما استخدمت للتأريخ.

إيضاح سريع: صيغة الجمع في اللغة العربية تُستَخدم في الأساس عكس استخدامها في اللغة الفرنسية مثلاً، ففي الفرنسية تُستَخدم مع المُخاطَب للتعظيم، أما في العربية فتُستَخدم من قِبل المتكلم للابتعاد عن الاستكبار، ومن هنا نلاحظ أن الشعر الجاهلي لم يستخدم صيغة الجمع للافتخار إلا حين عنى ذلك القبيلة كلها، أما حين يتحدث الشاعر عن نفسه فهو يتحدث دائماً بصيغة المفرد.

محطات في السيرة النبوية:

لعل من أشهر كلمات الرسول (ص) هي تلك التي قالها حين وقوفه قبل الخروج لغزوة بدر : “أشيروا علي أيها الناس”. وقد أجابه المهاجرون، ثم أجابه سعد بن معاذ عن الأنصار فقال: “كأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال [رسول الله] أجل، قال [سعد]: فامضِ يا نبي الله لما أردت، فوالذي بعثك بالحق، لو استعرضتَ هذا البحر فخضتَه خضناه معك ما بقي منا رجل واحد” – (محمد بن سعد، الطبقات الكبرى، تحقيق: إحسان عباس، مج 2، ص 14، دار صادر، 1998).  رغم إجابة سعد بن معاذ الدالة على الإيمان المطلق بمحمد (ص) من جهة وعلى الشجاعة من جهة أخرى، لا نستطيع إغفال الود في لهجة الرسول (ص) تجاه الأنصار. لا نشك أن ذلك مرتبط بحِلم الرسول (ص) المألوف في كل مواضع سيرته، ولكنه أيضاً مرتبط بموقف سابق للأنصار في بيعة العقبة، حيث أعلنوا للرسول (ص) أنه في ذمامهم ما دام في ديارهم، أما إذا خرج، فلا ذمة له عليهم. عليه، اختار محمد (ص) تلك الصياغة للطلب والتي تنطوي دون لَبس على عبقرية دبلوماسية خارقة، فقال: أشيروا علي أيها الناس. وقد فهم الأنصار أنه يستعين بهم، وليس يأمرهم بالخروج، والفرق شاسع.

يطول التفصيل في شرح غزوة بدر وما انطوت عليه من تفاصيل عسكرية، تدل على دراية واسعة بأصول الحرب، حيث اعتمد جيش المسلمين الصغير على عناصر متعددة، غير كتائب الملائكة التي قاتلت معهم في بدر، للحصول على النصر. فقد طمروا الآبار التي في طريق جيش قريش إلى بدر، فأنهك العدو العطش، وأرسل النبي (ص) من يتلقط الأخبار في ساعات متعددة، فكان على علم بتحركات عدوه وقدراته وعدده وعدته، وقسَّم الجيش إلى ألوية مستفيداً من رواسب الولاءات القبلية، كما أرسل أخباراً مُضلِّلة لقريش، استطاع بعدها جيش المسلمين أن يستغل عنصر المفاجأة.

(يمكن مراجعة تفاصيل الغزوة في مختلف كتب السيرة والتاريخ: الطبقات، السيرة النبوية لابن هشام، تاريخ الأمم والملوك للطبري، البداية والنهاية لابن كثير، إلى آخره. وقد قدم سيد محمود القِمَني تحليلاً مدهشاً للغزوة في كتابه حروب دولة الرسول الصادر عن دار سينا للنشر).

سأتوقف عند تفصيل عميق الدلالة: قبل المعركة، وحين كان جيش المسلمين يتحضر للاستقرار في مكان من بدر، أشار الرسول (ص) إلى المكان الذي سينزل فيه المسلمون، فسأله الحباب بن المنذر بن الجموح: “يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال [الرسول (ص)]: بل هو الرأي والحرب والمكيدة”، فأشار الحباب بن المنذر بأن ينزل الجيش في موضع آخر يمنحهم المزيد من الامتياز على العدو، فأجابه الرسول (ص): “قد أشرت بالرأي”. (إسماعيل بن كثير، البداية والنهاية، مج2، ج3، ص263، مكتبة الإيمان، د.ت.). ليس أوضح من دلالة الحادثة، على تقبُّل الرسول (ص) النصح. لا سيما في تلك اللحظة الحاسمة والمصيرية.

إن الحادثتين المذكورتين، لا يمكن أن تجريا في مناخ يؤمن بأن الإنسان مُجبَر على أفعاله، فإن من يتودد ويستميل في الحادثة الأولى، ومن يُبدِّل جزءاً من خطته العسكرية لمعركة حاسمة في الحادثة الثانية، هو محمد (ص) نفسه، رسول الله، المُعَلِّم للوحي الإلهي، والمُشرِّع الأول. فإذا كان الرسول (ص) يخيِّر الأنصار في الخروج معه، ثم يأخذ برأي أحد مقاتليه، فكيف يستطيع أحد القول إن مقولة “الإنسان مُسيَّر” هي مما قال به الإسلام؟ ولعل من الملفت جداً، غياب هذا السؤال عن مسلمي العصور الإسلامية المبكرة.

في الحديث الصحيح أن الرسول (ص) قال: “أنتم أعلم بشؤون دنياكم” حول مسألة تلقيح الشجر، وهي مسألة عدَّها الرسول (ص) ثانوية على ما يبدو، فلم يبت بها، بالإضافة إلى كونه غير خبير بأمور الزراعة وهو الذي عمل قبل نزول الوحي في الرعي والتجارة.

بقليل من التدبر في الذي ذُكِر، نجد أن الرسول (ص)، تعامل مع مسألتين (الأولى مصيرية وحاسمة، ومحطة شديدة الأهمية في المسار التاريخي للإسلام ودولته، والثانية فرعية وتفصيلية من حيث الشكل على الأقل) بطريقة غير دينية نهائياً. وليس ذلك إلا لأن التشريع الديني لا مكان له في هاتين الحادثتين. وحتى إذا اعتبرنا اختيار الرسول (ص) في الحادثتين هو تشريع ديني، بوصفه جزءاً من السيرة النبوية، فإنه تشريع يُعَلمنا التعامل مع الموقف ضمن ظروفه الموضوعية، ولنلاحظ أن الموقف الذي استقر عليه الرسول (ص) لم يكن موقفه هو من الحدث. من هنا أبدأ بالقول، وباستنتاج بسيط، إن دولة الإسلام عبر تاريخها الطويل هي دولة دينية وعلمانية معاً.

وفي حالة أخرى، اتخذ النبي (ص) موقفاً واضحاً يدل على طريقته في التعامل مع الظروف الموضوعية وما تفرضه، حيث تنازل عن ابتداء عقد صلح الحديبية بـ”بسم الله الرحمن الرحيم” وحولها بناءاً على طلب مفاوض قريش سهيل بن عمرو إلى “باسمك اللهم”، وقبل بتغيير الصيغة من “محمد رسول الله” إلى “محمد بن عبد الله”، (للتفاصيل، راجع: ابن كثير، البداية والنهاية، سبق ذكره، مج2، ص526 وص533).

أثار هذا التنازل حفيظة الكثير من الصحابة، وقد كان محمد (ص) يتقبَّل الاستماع إلى الاعتراضات التي لم يخلُ بعضها من القسوة في اللهجة، لا سيما تلك التي جاءت من صحابة لم يتمتعوا بإحدى صفتين راسختين في شخصية النبي (ص): الحِلم أو المرونة، وبعد النظر. لقد كان صلح الحديبية مفصلاً حاسماً آخر في المسار التاريخي لدولة الإسلام، ولقد لعبت الدورَ الأكبر هنا حنكةُ النبي وموضوعيته في النظر إلى الظرف القائم. إذن، مرةً أخرى لم يكن القرار دينياً، بل سياسياً بامتياز.

تكثر الأمثلة أيضاً في أخبار الرسول (ص) مع زوجاته، ولا سيما عائشة (ر)، حيث كانت كثيرة الاعتراض على بعض ما يقول النبي (ص) أو يفعل، رغم كونه رسول الله، وقد كان تعامل النبي (ص) مع المسألة يدل على المزيد من الهدوء والحنكة.

صحيح أن ما سبق، وغيره من أمثلة لم نذكرها، يدل على صفات شخصية للرسول (ص)، تدعو المرء، مسلماً كان أم غير مسلم، إلى المزيد من الاحترام والإجلال لهذا الرجل الذي تغير وجه العالم على يديه وأصحابَه. لكن ذلك ليس الاستخلاص الوحيد، حيث إن طريقة النبي (ص) في التعامل مع المواقف الحاسمة الكثيرة التي مرت بها الدعوة-الدولة الإسلامية طبَعت التطور السياسي-الاجتماعي-التشريعي للإسلام بطابع العملانية الكاملة من جهة، وطابع تقبُّل الاختلاف والاستفادة منه من جهة أخرى.

لقد كانت مصلحة الدعوة والدولة، أعلى من التمسك بلقب “رسول الله” على كتف (=ما يُكتَب عليه) يُدوَّن عليه اتفاق صلح. وفي ذلك الوقت، كانت الدعوة والدولة، تهدف إلى نصرة المستضعفين، وإلى توحيد الناس جميعاً تحت مظلة من المساواة والعدالة. كانت دولة ليس فيها فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى (ولا نظن هنا أن التقوى هي الإيمان أو درجته، بل هي في ظننا التقوى بمعناها الأخلاقي، أي ما فيه الخير للناس، وما مؤداه الفضيلة).

لا أحسب تلك المفاهيم إلا بذرة من أهم البذور التي ساهمت في إنشاء مفهوم المواطَنة المعاصر.


الثورة المصرية والتحضُّر

 

لم يشهد التاريخ مثيلاً لثورة الشعب المصري على النظام. وقد تجلى تميز هذه الثورة في عدد من المناحي، إلا أن التركيز الأساسي لدى الجميع، كان على درجة التحضُّر والوعي العاليين اللذين تمتع بهما الشعب المصري. حيث إن درجة السلمية في الثورة، وانعدام التخريب فيها، لفت أنظار العالم وأثار الدهشة عند الجميع.

زاد من التفات المحللين والمراقبين ووسائل الإعلام إلى الأمر والتركيز عليه، سمعة الشعب المصري المنتشرة بأنه مخرِّب، لا يأبه بالممتلكات العامة، لا يتقن التعاون، كونه شعب متخلف. وتلك السمعة لا تختلف كثيراً عن سمعة معظم الشعوب العربية، إن لم يكن كلها.

ظهرت العديد من التفسيرات المتسرِّعة، فبعضها أرجع السمعة السابقة للشعب إلى أفعال تقوم بها عناصر النظام المصري السابق ومن هم تابعون له، وأخرى أرجعت الانضباط الشديد الذي تمتع به الشعب المصري إلى قيادة الثورة التي ما زال العديد من عناصرها مجهولاً، وإلى قدرتهم على نشر الوعي بسرعة، وضبط الناس. وفي اعتقادي، التفسيران خاطئان، على الأقل جزئياً.

قبل الثورة، انتشرت بين “النخبة” مقولات تعلن اليأس من “الناس”، فلا أمل في أن يتحضروا، ولا أمل في أن يتعلموا ألا يلقوا القمامة على الأرصفة، ولا أمل في أن يمتنعوا عن اجتياز إشارة المرور الحمراء إذا لم يكن شرطي المرور قريباً منها، ولا أمل في أن يستخدم المشاة جسور المشاة لقطع الشوارع، عوضاً عن قطع الشارع بين السيارات المسرعة وهو يسير تحت جسر المشاة مباشرة، ولا أمل في أن يتخلصوا من مشاعرهم الطائفية والعشائرية تجاه مواطنين آخرين من أبناء بلادهم. كان هؤلاء يستخدمون كلمة “الناس” وكأنهم ليسوا منهم، وبعضهم لا يزال. ولعله من الواجب أن أعترف أنني انجررتُ في مناسبات عديدة إلى مثل تلك المقولات والأفكار وأعلنتُها على استحياء، رغم أنني لم أكن واثقاً بصحتها.

إن أهم استخلاص يمكننا الخروج به من الثورة المصرية، هو أن مشكلة المجتمع ليست متركِّزة في الناس ومدى تخلفها أو تحضرها، وأن الناس جاهزون للتحول إلى مواطنين متمدنين بدرجة عالية، بل ويمكنهم أن يعلموا الشعوب الغربية التمدن في كثير من المسائل، دون أن يضطلع بعض الواثقين بأنفسهم بالتوعية أو التحضير. ذلك أنني على قناعة أن انقضاء آلاف السنين من الحضارة على هذه الأرض لا يمكن أن يضيع، ولا يمكن ألا يكون مزروعاً في قلوب الناس وعقولهم.

لماذا إذن كنا نرى –في مصر- تلك الظواهر؟ وما زلنا نراها في بلدان أخرى.

إن الذي يقطع الشارع من تحت جسر المشاة رافضاً استخدامه، والذي يتجاوز إشارة المرور الحمراء ابتداءاً من لحظة غياب الشرطي، هو في واقع الأمر يرد رداً لا واعياً على الدولة التي تقمعه في كل شيء، ولا تقدم لها الخدمات الواجبة، ولا تؤمن له حتى الحد الأدنى من المعيشة الكريمة، اقتصادياً واجتماعياً. حيث إن الطريقة الوحيدة التي يملكها المواطن للرد على كل ذلك هي مخالفة القوانين الناظمة للحياة اليومية في تفصيلاتها البسيطة. ينطبق ذلك أيضاً على من يتجاوز إشارة المرور –مثلاً- أمام شرطي المرور لأنه يملك امتيازاً سلطوياً ما، فإن تلك هي طريقته في أن يقول إنه موجود، وإنه “مواطن” أعلى بدرجة من الآخرين.

يمثل التمسك بالفئوية والطائفية والعشائرية وجهاً آخر لمواجهة انعدام الحقوق للمواطن، حيث إن الإنسان يبحث دائماً عن الحماية الاجتماعية، وفي غياب علاقة واضحة وصحية بين السلطة والمواطن، يتمسك الأخير بأي “تجمع” يملكه، يعزز له هويةً ما، هي رده في وجه تحويله إلى رقم لا دور له ولا فعل. ومن هنا تشيع الاعتقادات لدى كل فئة، اجتماعية كانت أم دينية، بأنها على صواب والبقية على خطأ.

إن الناس غاضبون دائماً، فالهموم تسكنهم: من أين سيأكلون؟ أين سيسكنون؟ أين سيركن صاحب السيارة سيارته؟ متى سيصل إلى موعده مع هذا الازدحام؟ من أين سيؤمن الطعام للمولود الآتي قريباً؟ إلى آخره. ذلك الغضب، لا بد من التعبير عنه، وحيث إن التعبير عن هذا الغضب في وجه مسببه غير ممكن لأسباب عديدة، فإنه يُعَّبر عنه بكل أنواع المشاجرات والمشاحنات والملاسنات والنظرات الغاضبة التي نراها يومياً في الشارع. في الوقت نفسه، يستمر الغضب في الازدياد، لأن شيئاً لم يتغير، ولأن المُسبِّب للغضب، لا يزال موجوداً، ولا يزال جاهلاً بأنه يسبب الغضب “للناس”.

مع قيام الثورة، فجر الناس غضبهم، وصبوه في القناة الصحيحة، وشعروا بوجودهم كمواطنين لهم صوت وكلمة، وشعروا بأنهم اتحدوا تحت مظلة كبيرة، عظيمة، جليلة هي الوطن! عندها، زالت كل مظاهر التخلف عن “الناس” وكأنما بلمسة سحرية، وظهرت الهوية الحقيقية للشعب المصري-العربي المتحضِّر، والقادر على إعادة البناء، دون هدم.


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.